عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
164
اللباب في علوم الكتاب
جواز الحذف ؛ فإنه جرّ بحرف غير ما جرّ به الموصول ، وأيضا : فقد اختلف متعلّقاهما إلّا أنه قد ورد ذلك في كلامهم ، وأمّا على القولين الأوّلين ، فيكون فاعل « يسمع » ضميرا يعود على « ما » الموصولة ، وهو المنعوق به . وقيل : المراد ب « الّذين كفروا » المتبوعون ، لا التابعون ، والمعنى : « مثل الّذين كفروا في دعائهم أتباعهم ، وكون أتباعهم لا يحصل لهم منهم إلّا الخيبة ، كمثل النّاعق بالغنم » فعلى هذه الأقوال كلّها : يكون « مثل » مبتدأ و « كمثل » خبره ، وليس في الكلام حذف إلّا جهة التّشبيه . وعلى القول الثاني من الأقوال الأربعة المتقدّمة : فقيل : معناه : « ومثل الّذين كفروا في دعائهم إلى اللّه تعالى ، وعدم سماعهم إيّاه ، كمثل بهائم الّذي ينعق » فهو على حذف قيد في الأوّل ، وحذف مضاف في الثاني . وقيل : التقدير : « ومثل الّذين كفروا في عدم فهمهم عن اللّه ورسوله ، كمثل المنعوق به من البهائم الّتي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت » فيراد بالذي ينعق : الذي ينعق به ، ويكون هذا من القلب ، وقال قائل : « هذا كما تقولون : « دخل الخاتم في يدي ، والخفّ في رجلي » وتقولون : « فلان يخافك ؛ كخوف الأسد » ، أي : كخوفه الأسد ، وقال تعالى : ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [ القصص : 76 ] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتح » . وإلى هذا ذهب الفرّاء ، وأبو عبيدة ، وجماعة إلّا أنّ القلب لا يقع على الصّحيح إلّا في ضرورة أو ندور . وأمّا على القول الثّالث ، وهو قول الأخفش ، والزّجّاج ، وابن قتيبة : فتقديره : « ومثل داعي الّذين كفروا كمثل النّاعق بغنمه ؛ في كون الكافر لا يفهم ممّا يخاطب به داعيه إلّا دويّ الصّوت ، دون إلقاء فكر وذهن ؛ كما أنّ البهيمة كذلك ، فالكلام على حذف مضاف من الأوّل . فصل في المراد ب « ما لا يسمع » قال الزّمخشريّ « 1 » : ويجوز أن يراد ب « ما لا يسمع » الأصمّ الأصلج الذي لا يسمع من كلام الرّافع صوته بكلامه إلّا النّداء والصّوت ، لا غير ؛ من غير فهم للحرف ، وهذا جنوح إلى جواز إطلاق « ما » على العقلاء ، أو لما تنزّل هذا منزلة من لا يسمع من البهائم ، أوقع عليه « ما » . وأما على القول الرابع - وهو اختيار سيبويه « 2 » في هذه الآية - : فتقديره عنده : « مثلك يا محمّد ، ومثل الذين كفروا ، كمثل النّاعق والمنعوق به » ، واختلف النّاس في
--> ( 1 ) ينظر الكشاف : 1 / 214 . ( 2 ) ينظر الكتاب : 1 / 108 .